قاع جهنم
محمود الهليهى
ليلة منتصف أغسطس
الملك "آرثر" ملك "مملكة
الأسرار"
بينما كانت السماء تفيض بمائها والرياح
الشديدة تهب وأصوت الرعد المرعب والبرق الذى ينير عتمة الليل ثم يظلمه سريعاً فى
مشهد مهيب تشيب له الولدان وتقشعر له الأبدان، وأنا أكاد أتلفظ أنفاسى، شهقة تلو
أخرى وكأن حجرٌ أصاب صدرى، أرتعد فى فراشى، وقد تجمدت عروقى، كدت أغرق فى بحرٍ
ممزوج بالعرق وما زلت أتنفس بصعوبة، حاولت الصراخ كثيراً لكن دون جدوى فكأنما
أحبالى الصوتية قُطّعت، أشعر بالحرارة الشديدة فى جسدى وكأن أبواب جهنم قد فُتحت
وأشعلت النيران من حولى .. شعرت وكأنى فى القاع، نعم فى قاع جهنم .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد نجوت بعدما أسقطت الشمس أنوارها على
وجهى، وبعد سماع صوتاً من الخارج ينادى:"مولاى .. هل إستيقظت؟" بعدما
إستعدت تركيزى فى لحظات معدودة، تنبهت لما يحدث حولى وتذكرت أنها (جين) مسؤلة
الخدم.
"نعم (جين).. لقد إستيقظتُ، هلَاّ أعدتِ
الطعام" أجبتُ فى قليلٍ من الإرتياح .. أجابت:"حالاً يا مولاى"،
أرتديت ملابسى وخرجت لتناول الإفطار، وما زالت تلك المشاهد التى رأيتها فى ذاك
الحلم تراوض أفكارى وتتردد على ذهنى أغلب الوقت وكأنها لا تتركنى أبداً.
تكرر الحلم نفسه مرة أخرى هذه الليلة ولكن
هذه المرة قد أثار فضولى ذلك الرجل الغريب الذى رأيته فى السجن مكبلاً تُسال منه
الدماء وكأنه قد تلقى طعنة من خنجر ما، وكذلك المرأة التى كادت أن تقتلنى بنظراتها
الحادة وطفلها الذى لا يتوقف عن البكاء..من هؤلاء؟ وماذا يريدون منى؟.
لا أستطيع النوم منذ ثلاثة أيام فكأننى أرى
أشباحاً تحوم من حولى تريد أن تختطفنى، ربما يكونوا من جهنم، فأشكالهم غريبة جداً،
وأشعر بحرارة عند إقترابهم منى وكأن ناراً تخرج من أجسادهم، يحاصروننى كل ليلة حتى
أرى ذلك الرجل الذى كان مكبلاً فى السجن ثم يختفون جميعاً ... تباً يحدث هذا وأنا
مستيقظ ليس حلماً بل حقيقة صاعقة، لذلك طلبت مشورتك أيها (الحكيم أندرو) ولم أخبر
أحداً قط لما حدث لى، فبماذا تشير على؟.
الحكيم (أندرو):"لا تخف أيها الملك
سيكون كل شيء على ما يرام .. أما عن هذا الحلم فلابد وأن تبحث وراء هؤلاء الذين
رأيتهم فى الحلم، الرجل والمرأة والطفل، لتعرف السر ورآءهم".
بعث الملك ( آرثر) بجنوده سراً للبحث عن هؤلاء
الذين يقلقون راحته ومنامه، وقد عثر جنود الملك على المرأة وتدعى (ايفان) وإبنها
(ماثيو) الذى أصبح كبيراً وأحضروهم للملك لينظر فى شأنهم، وما كان من (ماثيو) إلا
أنه يردد بأن أمه مريضه وقد جاءوا إلى هنا لعلاجها.
الملك (آرثر) وهو يتجول أمام عرشه والمرأة
وإبنها يتملكهم الخوف أمامه ينظران إلى بعضهما البعض وكأن عيناهما تقول "يا ويلتنا
ماذا فعلنا"، بدأ الملك فى حديثه وهو يقلب وجهيهما ويفتش فى حلمه عنهما حتى
إستقر فى يقينه أنهم هؤلاء الذين يرعبونه فى يقظته ونومه منذ مدة "لم تذق
عيناى النوم منذ مدة فأنتم دائماً تأتوننى فى أحلامى فيذهب النوم بعيداً عنى"
.. وأكمل حديثه قائلاً "إننى أرى معكما فى كل حلم يراوضنى رجلاً مكبلاً تسيل
منه الدماء كأنها بحر قد تفجر .. من هو ذاك الرجل وأين هو"، فما كان من
المرأة وابنها إلا أن أنكرا وظلا متمسكان به وكأنهما لا يعرفان ذلك الرجل، وبعد أن
يأس الملك أمر جنوده بسجنهم وتعذيبهم حتى يعرف حقيقة الأمر.
وقد أرسل الملك جنوده للحكيم (أندرو) بأن
يحضر على وجه السرعة .. وبالفعل حضر مسرعاً، وتفقد الملك والحكيم السجن حيث المرأة
وابنها ووقفا ينظران إليهما من إحدى ثغرات السجن، قال الحكيم فى دهشة :"كيف
عثرت عليهم أيها الملك؟" .
الملك (آرثر):" وجدهم جنودى فى بيت ما
فى الجانب الشرقى بالمدينة .. من هؤلاء هل تعرفهم؟" .. قال الحكيم :"
بالطبع أعرفهم هذه زوجة الملك"فليب" وهذا ابنه "ماثيو"، كان
(فيليب) ملكاً لمملكة الأسرار وكان والدك الملك (ستيفن) قائداً لجند المملكة
آنذاك، لم يكن والدك خائنا بقدر ما أراد الحفاظ على المملكة من الضياع، فأمسك
بـ(فيليب) وألقاه فى السجن وبدأ يبحث عن زوجته وولدهما ولكن لم يعثر عليهما إلا
الآن، وقد تلقى (فيليب) أشد التعذيب ليعترف بمكانهما ولكنه كان صامداً وفى يوم
تنصيب والدك ملكاً للبلاد أراد أن يراه (فيليب) فى ثيابه الملكية فما كان منه إلا
أنه ثار وأراد إثارة الضجة فما كان من والدك إلا أنه طعنه بخنجر وألقى بجثته فى
النار حتى إحترقت ".
الملك (آرثر):"تباً ولماذا ظهروا الآن
لابد وأن أقتلهم كى لا يتسلطون على عرشى" الحكيم (أندرو):"سيكون هذا خطأ
كبير يا سيدى فإنهم مخاوفك ولن تتوقف هذه الأحلام والمخاوف إلا إذا نصرتهم"
.. الملك (آرثر) :" هل جننت لن أعطى أى أحد من هؤلاء ملكى .. سأقتلهم
جميعاً" وأصدر الملك حكمه بإعدامهم صباح الغد" وسيعذبان طوال الليل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"لن تستطيع إيذاء إبنى ولا زوجتى .. أنا
هنا لأمنعك" تلك الكلمات تترد فى مسامع الملك (آرثر) وظل الرعب يتملكه طوال
الليل وكان وجهه شاحباً وكأن الأشباح عادت إليه من جديد ولكن هذه الليلة المشاهد
أقوى من ذى قبل .. أثار هذا خوف الملك واضطرابه الشديد الذى ملأ قلبه وقد دخل عليه
(ماثيو) شاهراً سيفه بعد أن فك وثاقه وأمه بمساعدة الجنود المناوبين على حراستهما
ممن كان يحبون والده .. وقد قُتل (آرثر) هذه الليلة وتُوج (ماثيو) ملكاً للبلاد
بعد عشرون عاماً من وفاة والده .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق