تعدد الزوجات بين الدين والواقع
محمود الهليهى
لا شك أن الله سبحانه وتعالى شرع للرجل
حق التعدد ونزل به قرآناً يتلى إلى قيام الساعة، كما جاءت السنة النبوية مؤكدة على
ذلك وأجمع على مشروعيته جمهور العلماء ولا ينكره إلا جاحد.
وإختلف العلماء على الأصل فى الزواج
فمنهم من قال أن الأصل فى الزواج التعدد وآخرون يرون أن الأصل فيه هو الإفراد وكلٌ
له أدلته وأسانيده ولكنهم إتفقوا على أنه أمر مستحب.
والتعدد ليس مستحدثاً جاء به الإسلام، ولكنه
موجودٌ فى الأمم السابقة والإسلام حدده وقيده بضوابط، فقد جاءت الآية القرآنية
صريحة، فقال الله فى كتابه العزيز:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا
فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ
أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) النساء/3
فقد أباح الله سبحانه وتعالى التعدد فى الزواج من مثنى وثلاث ورباع،
ثم قيد هذا التعدد بالعدل ومنه العدل فى المأكل والملبس والمشرب والسُكنة والأمور
الزوجية دون الميل إلى أحداهن دون الأخريات، وأيضاً من الشروط التى حددها العلماء
القدرة المالية والبدنية فمن لم تتوافر به تلك الشروط يحرم عليه التعدد.
وقد شرع الله سبحانه وتعالى التعدد للرجال دون النساء لعدم إختلاط
الأنساب والأمراض، فقد كشفت الدراسات الحديثة عن أن بعض الأمراض الخبيثة تأتى من
الزنا كمرض الزهرى ومرض السيلان والايدز لذلك حرم
الله سبحانه وتعالى التعدد للمرأة.
والحكمة فى التعدد: التكاثر وزيادة النسل فقد حث رسولنا الكريم صلى
الله عليه وسلم على التكاثر فعن سعيد بن أبي هلال، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"، ومنها
أيضاً الخوف من الوقوع فى المحرم فلربما الزوج لا تعفه الواحدة فيضطر للتعدد وكذلك
وجود مشاكل أو أمور صحية مع الزوجة الحالية.
إذا قد وضحت تلك القضية من جانب الدين فهل نجد الواقع يتماشى مع
الدين؟، نجد كثيرٌ من الناس فى الآونة الأخير يردد قضية التعدد ليل نهار وكأنه لم
يبقى من الدين إلا هى، وقد علمنا الضوابط التى وضعها الأسلام للتعدد وهو العدل
وهذا ليست بالشيء السهل على الرجل.
فقبل أن تفكر فى التعدد لابد وأن تفكر هل تستطيع العدول بينهن فى
المأكل والملبس والمشرب والسكنة والأمور الزوجية الأخرى دون جور؟ إن كنت تستطيع
فالتعدد مباح لك، لكن من يقل لا أستطيع .. لم تردد كثيراً هذه القضية فى أول فرصة
لك وكأنك تختلق الأعذار، عليك أن تفكر أولا هل تستطيع تدبر زواجاً آخر وبيتاً آخر.
والعجيب فى الأمر أن أغلب الطارحين لقضية التعدد لم يسبق لهم الزواج
ولو مرة، هذه دهشة كبيرة أنت لم تتزوج بعد فكيف ستعدد؟
والزوجة لا حق لها فى
الإعتراض على التعدد فهو مشروع من قِبل الله سبحانه وتعالى وليس البشر.
ولابد وأن يراعى الزوج زوجاته إذا أراد
التعدد وعليه بالعدل بينهن فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من عدم العدول بينهن
فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : ( إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا
جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ ) . وفي رواية : ( أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ
) .
رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
.
تفسير آية التعدد
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية التي نصت
على إباحة تعدد الزوجات: أي أنه إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها
فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه .
وروى البخاري - بإسناده - أن عروة بن الزبير
سأل خالته السيدة عائشة - رضي الله
عنها - عن هذه الآية فقالت : ( يا ابن أختي هذه
اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه
في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها
بغير أن يقسط [يعدل] في
صداقها [مهرها] فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهى الأولياء
عن نكاح من عنده من
اليتامى إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق
[أي يعطوهن
أعلى مهر تحصل عليه نظائرهن]، وأمروا [وفى حالة خشية عدم العدل]أن ينكحوا
ما
طاب لهم من النساء سواهن [من غير اليتامى الموجودات في كفالة هؤلاء] ).
