قاتل يقتل في صمت
![]() |
| كتب: عبدالرحمن محمد سعد |
سألت نفسي ذات مرة، لماذا أفعل هذا الفعل كل
يوم؟ لماذا لا أريد غيره أو حتي أن أفعل شيء مختلف؟ الإجابة ببساطة هو أني قد أدمنت
ما أنا عليه، لقد أصابني نوع من أنواع الهوس الدُنيوي، هوس ومرض لم أكن أبالي به ولا
أكترث لأمره حتي ندمت في النهاية، لم أكن أدري أن هذا المرض سيجعلني أتخلى عن أشياء
كثيرة منها صحتي وتعليمي وأشخاص من حولي، وربما يكون سبباً في خسارة كبيرة لأصدقائي،
مرض يجعلك كالطفل الصغير الذي إذا أخذت منه شيئاً يحبه أخذ يبكي بكاءاً شديداً ولا
يهدأ إلا إذا أعدت له ما أخذت منه، الجميع يعرفه بإسم الحضارة والتقدم والمستقبل أما
أنا فأسميه "التكنولوجيا القاتلة" .
إنها الجوانب المظلمة من التكنولوجيا التي كنت
أظن أنها تشغلني عن همومي، متناسياً أنها سبب الهموم والأحزان التي أعاني منها، لقد
كنت لا أعلمها في البداية، ولا أريد أن أعرفها كذلك، لم أدري أنها تمتلك سحراً ذا مفعول
قوي، تجذبك إليها رغماً عنك وأنت تقاوم سحرها بكل الوسائل، ولكن هيهات هيهات.. أنت
محكوم عليك بالاستسلام لسحرها حتي من قبل أن تواجهها، فكل يوم تُنتج أدوات جديدة تفوق
السابقة بمراحل، وأنا أركض وراها وعقلي لا يستجيب لي بسبب سيطرتها علي، لقد سلبت مني
إرادتي في الإعتماد علي نفسي وعلي المصادر العلمية الكتابية في البحث عن أي شيء، أودعت
نفسي لديها لعلي أجد فيها ما يجعلني أعيش حياتي في رفاهية .
لم أكن
أعي أنها ستحول حياتي إلي كابوس مظلم لا مفر منه، جعلتني أفقد الأمل في استعادة ما
ضاع مني، أو أن يكون عندي بصيص من الأمل في أن حياتي ستعود كسابق عهدها، لكن هذا لم
يتحقق بل تحقق الأسوء، وهو أني أصبحت لا أفارقها أبدا، فإذا تركتها خمس دقائق أشعر
وكأني أحتضر من أجل الموت، لم تتركني أحدد مصيري الذي رسمته لنفسه، سلبت مني عقلي لدرجة
أني لم أعد أستطيع التفكير في اختيار الصواب والابتعاد عن الخطأ، أخذت مني عيناي لكي
لا أري عزيزاً، ولا حتي أي شيء غير محتواها الذي تعرضه لجعلي غائباً عن الوعي تماماً
في اختيار ما أريد رؤيته، لجعلي أشاهد محتوى من محتواياتها وما تعرضه من مواقع جذابة،
و شبكات التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وجوجل وغيرها الكثير والكثير،
لم أعد أقدر علي تحمل سيطرتها المطلقة لعقلي الذي أصبح مبرمجاً علي التعلق بها، صحيح
أن لها فوائد كثيرة فهي مفيدة في كثير من الأحيان، ولكن سلبياتها كثيرة جداً، وأضرارها
أشد الأضرار قتلا، فهي تقتل أجيالاً وأجيال، وتدمر الشباب الصالح إذا أخطأوا استخدامها
ولن يستطيعوا علي الهروب منها بعد ذلك .
جعلتني
لا أرغب في الابتعاد عنها، لكني أريد الخروج إلي الشمس، لقد سئمت من هذا الظل الذي
أختبه فيه، وعقلي التائه جعلني أعيش في ظلمة محدقة، وأسرني بين جوانب أربع، وأودعني
في ظلام يقتلني في صمت مريب ظناً مني أني أستمتع بملذات حياتي، لم أدرك أن همّاً أصاب
قلبي، وإني لحبيس وهمٍ لا يمكنني الخروج منه، حتي أيقنت أن الشمس أنكرت جسدي ولم تعد
تعرف جلدي .
لم أصدق
الروايات الإنجليزية عندما كتبت أن "مصاص الدماء" الذي يستمتع بالقتل، ويستطيع
الطيران وفعل أشياء خارقة ولا يؤثر فيه الرصاص يخاف من الشمس، ويخشي الخروح إليها لكي
لا يحترق، كذلك الإنسان الذي أصابه ظلام التكنولوجيا، بعضتها وسحرها اللعين يخاف الخروج
إلي الشمس، لكي لا يحترق بضوء حقيقة أنه قد تم خداعه وتم تزييف الحقيقة له بسبب ادمانه
عليها والتخلي عن عقله في التفكير والإدراك وللأسف نجحت في فعل ذلك .
لقد أحسنت صنعاً " مارك
"..
أحسنت
فعلا في جعلي دمية متحركه تحركها شبكتك اللعينة كيفما شاءت، ولكني في يوم من الأيام
سأستعيد نفسي من شبكتك، عندها سأستخدم الترياق الذي يقضي علي سم شبكتك الخبيثة، ألا
وهو طريق ربي الذي لا يضل ولا يشقي من يسير عليه أبدا، فهذا هو الترياق الذي يمكنه
القضاء عليها، سأحاول بكل ما أُتيت من قوة وعزم وإرادة علي الإفلات منها، فلا أريد
لهذا القاتل الذي يحب القتل في الصمت أن يقتلني وأنا دمية يحركها كما يشاء وفي النهاية
يضحي بي بعد سلب كل ما كان لدي في حياتي .
أعلم
أني كنت علي خطأ منذ البداية لأني لم أحسن استخدامها جيداً، وأستحق ما جري لي، لأنه
دين ويجب علي رده فكما تدين تدان، هذا ما أعرفه جيداً فلكل خطأ ثمن لابد من دفعه عاجلاً
أم أجلا، ولكل دين يجب رده كذلك، ولكن لم أعلم أن رده بهذه الصعوبة .
حاول بكل جهدك وإرادتك أن تقاوم سحرها وخذ بكل
أسباب النجاح في ذلك، اعتمد علي ربك وتوكل عليه، فهو الملجأ الذي نلجئ إليه عندما تضيق
بنا الدنيا، لا تستسلم إذا وجدت نفسك غير قادر علي محاربة سحرها، بل حاول وحاول.. حتماً
ستنجح، لا تيأس واستعن بمن يساعدك في هذا الأمر، فهناك الكثير ممن لا يرفضون طلب المساعدة
ولاسيما إن كانت مساعدة علي إخراج أحدا من الظلام، هؤلاء موجودون بكثرة، اعتمد عليهم
فهم لن يتركوك تهبط إلي القاع المظلم، ولكن لا تنسي أن اعتمادك الأكبر علي الله سبحانه
وتعالى، فهو مدبر الأمور، وحلاّل المشاكل، كن قريباً منه دائماً.. صدقني هذا هو أفضل
حل لمشكلتك، وخذ بالاسباب وعلي الله التوفيق .
أعلم أن أسباب حيرتك كثيرة، لا تعد ولا تحصى،
ولكن هناك حلول لحيرتك تلك، كما لكل داء دواء، ودواء مرضك هو الإقتراب من ربك دائماً،
اجعل قلبك وعقلك وكل جوارحك تتعلق بخالقها دائماً، وأحسن استخدامها لكي لا تقع مرة
أخرى في الخطأ، ولكن إذا وقعت فلا بأس، لأنه هناك من يقف بجانبك ويساعدك، فلن يدعك
تسقط مرة أخرى، بل سيجعلك تقف بثبات دائماً ألا وهو الله .



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق