رحلة البؤساء
محمود الهليهى
- ما هو البؤس؟ -
" هل تعلم ما هو البؤس؟ إنه تراكمٌ لحشد من خيبات الأمل قد حدثت لك، أصابتك بالضعف أولاً، ثم بعجز تام عن الحياة، أطفأت ذاك الشغف والشعور الجميل الذى يكمن بداخلك، وجعلت منك بيتاً وهِناً، فما أنت إلا عظام متراكبة مهترئة لا فائدة منها .
الوحدة تحاوطك من جهات الدنيا الأربعة، تقبع خلف جدران غرفتك بألوانها الباهتة وأنوارها الخافتة، ترسوا على فراشك ليل نهار، وكأن جسدك المرتخى هذا قد أصابه الشلل، حتى تُهلكك نوائب الدهر .
تستيقظ صباحاً وكأن جبلاً ما قد وضع على ظهرك، تتباطئ فى حركاتك وكأنك لا تستطيع التحرك، تبقى غرفتك كما هى وقد إعتراها الغبار، وهذا فراشك غير المرتب، وتلك النوافذ المغلقة التى لا تدخلها الشمس، تكاد تصيبك الأمراض بسبب تلك الحالة التى تعيشها .
تتفقد هاتفك وصفحاتك على مواقع التواصل قليلاً، دون الرد على أصدقائك الذين أرسلوا إليك عدة رسائل بالأمس ، ثم تتابع تصفحك وتشاهد تلك البرامج والأفلام التى كنت تراها سخيفة ومملة فى السابق، يمكنك تحمل الجلوس لساعات طويلة دون حركة؛ فقط لتشاهد عدة حلقات من مسلسل ما قد وجدته بالصدفة .
حياتك تكمن فى النوم والإستيقاظ والأكل والشرب والتغوط، تلغى الكثير من المواعيد التى قد أعددتها فى السابق ربما مع أصدقائك أو عائلتك أو عملك؛ وكأن الخروج من المنزل أشبه بالكارثه، أو أنك ستواجه الأعداء عند خروجك وأن غرفتك هى المنطقة الآمنه لك .
حياتك العاطفية تكاد تنهار إن كان لك حبيبة ما، وكيف تغرم بك إحداهن وأنت على هذه الحالة فلا أحد يراك؛ يكاد يراك والداك بالمصادفة وأنت تمر لتذهب للتبرز مثلاً أو لإحضار الطعام .
يحن قلبك للذكرايات الجميلة التى تركتها فى المدرسة، وتلك المزحات التى كان يلقيها أصدقائك لتتساقطوا واحداً تلوا الآخر من كثرة الضحك، وتلك الأفعال الساذجة التى يفعلها من هو فى سن المراهقة، وتلك الفتاة التى كنت شغوفٌ بها، وكنت تنظر إليها وأنت مختبئ كى لا تراك وتشعر بك .
- نحو الإبتعاد -
هذا بالضبط ما كان يحدث لى بعدما طُردت من المجلة التى أعمل بها رسماً كاريكاتيرياً، لم أكن أعتقد أن الحياة ربما تفتح ذراعيها مرة أخرى، كل ما كان يجول بخاطرى هو أننى شخص وحيدٌ ساذجٌ لا فائدة منه .
ظلت روحى طوال هذا الشهر متلهفة نحو الموت، أقف فى الشرفة التى تقبع فى الطابق العشرين، أأخذ نفساً عميقاً وكأنه الأخير قبل النهاية، ثم أجد لوحاتى لوهلة وكأنها تحادثنى: "ماذا تفعل أيها المجنون؟" .
وتبدأ تلك الصراعات بداخلى تهلكنى، ونبضات قلبى تتسارع، وعقلى يتشوش، وأطرافى تكاد تستسلم وترتخى، وسرعان ما أجد نفسى قد أستعدت شيئاً من قوتى وأتراجع، "لا أستطيع فعلها .. لا أستطيع" .
ظل الحال هكذا يتكرر كل صباح، حتى قررت الإبتعاد قليلاً لأتخاذ قرارى النهائى، ولأكون بعيداً عن تلك اللوحات التى تعيقنى عن الموت، فقد رأيت اليوم إحدى المواقع الإلكترونية وهى تعرض مسابقة لخمسة من الأشخاص ليكونوا سعداء الحظ للفوز برحلة إلى جزيرة "تريسكو" لثلاثة أيام .
دون تفكير وجدت أنه الحل الأمثل للتفكير بالموت هناك، فلن أتراجع أبداً ولن تنظر إلي لوحاتى بخيبة الأمل تلك مرة أخرى، سيكون لدى الوقت الكافى للتفكير فى ذلك الأمر .
سريعاً أجبت على السؤال المطروح على الموقع ومن حسن الحظ أننى كنت أعرف الإجابة.. حصلت على الرد فى اليوم التالى بأن إجابتى كانت صحيحة وأننى أحد الخمسة الفائزين بهذه الرحلة المجانية .
سريعاً توجهت وأعدّت حقيبتى بعدما علمت ميعاد الرحلة التى ستنطلق فى الغد، لم أكن متوقعاً من استمتاعى بهذه الرحلة كسابقتها، كنت أعتقد أننى سأكون وحيداً كما هو الحال الآن، كما أننى اعتقد بأنها ستكون رحلة مملة ليس فيها أى جانب من جوانب المرح، إجتمعت تلك الإعتقادات فى مخيلتى بعدما رسمت تلك الصورة بها .
لكم إعتقدت بأن تلك الجزيرة ما هى إلا أشجار وحيوانات تشبه تلك التى فى الغابات، كما تصورت بأنها ستكون كأى رحلة فلن تشكل فارقاً فى حياتى وربما تكون رحلة سيئة، هذا الذى بدا فى أول الأمر .
- رحلة إلى جزيرة "تريسكو" -
بينما كنت منتظراً لإحدى الصديقات من موقع المسابقة إذ بصوت أسمعه يأتى من خلفى يقول: "تباً يارجل كنت أعتقد أن هذه الرحلة مقتصرة على الرجال فقط" .
التفت قليلاً لأرى شابان متقاربان فى السن، رأيتهما يبتسمان لى وكأهما يعرفانى ، وإذ يبادر أحدهما بالمصافحة ويقول:"مرحباً أنا كيفن .. أعتقد أنك رفيقنا فى الرحلة" .
قلت:"نعم أنا من الفائزين بالمسابقة.. أعتذر، مرحباً، أنا جيمس" .
فقال الآخر:"مرحباً أنا مارك سررت بمعرفتك.. أعتقد أنك متوتر قليلاً" .
أجبت:"ربما لأنها تلك المرة الأولى لى بمفردى دون أصدقائى" .
رد كيفين ساخراً:"يارجل هل انت مراهق.. لقد نضجت" واتبع قائلاً "لا تقلق نحن معاً سنكون رفقاء الرحلة" .
وسرعان ما جاءت تلك مرافقتنا من موقع المسابقة.. وقد اجتمعنا مع بعضنا البعض شباباً وفتيات لتتلوا علينا البرنامج المتبع خلال الرحلة، وقد تحركنا نحو قاربنا المتجه نحو جزيرة "تريسكو" وهى إحدى جزر "سيلى" التابعة للمملكة المتحدة .
قالت إحدى الفتيات وسط انبهارهما بمنظر الجزيرة الخلاب "انها جميلة ومثيرة حقاً.. أعتقد أننا سنستمتع هنا، أليس كذلك يارفاق" .
قلت فى نفسى مستنكراً:"ربما.. لكننى أتوقع الأسوأ" .
رسونا على الشاطئ وإذ بحفلة رقصٍ من سكان الجزيرة فى إستقبالنا، أظن أنهم يفعلون ذلك مع كل زائر هنا، استمتعنا معهم قليلا ومضينا إلى البرنامج اليومى للرحلة .
كان أول ما فعلناه هو الذهاب إلى الفندق الخاص بنا، كنت على أمل أن أجلس وحيداً بغرفتى كما تعودت دائماً فى منزلى لكن الأمر كان مختلفاً هنا، فقد تشاركنا ثلاثتنا فى غرفة واحدة، قد بدا الأمر مزعجاً فى البداية حتى تعودتُ على ذلك، فهما ليسا بهذا السوء انهما خفيفا الظل ومرحان أيضاً .
قضينا اليوم الأول من رحلتنا بالتنزه وسط المناظر الخلابة والأشجار العالية الجميلة فى تلك الغابة والتعرف على بعض الحضارات الموجودة على الجزيرة، وقد تعارفنا على الفتاتين فإحداهما تدعى "نيلدا" والأخرى "وينى".. اعتقد انهما لطيفتان أيضاً لكنها كثيرتا الثرثرة .
- حادثة صادمة -
جاء اليوم الثانى وقد تعالت صرخات وضجيج فى الفندق.. أسرعنا نحو مصدر الصوت إذ به غرفه الفتيات اللاتى معنا بالرحلة، و" وينى " قد أغمي عليها .
"أسرع أسرع أنها تنزف كثيراً دعنا لا نفقدها" قالها أحد المسعفين، ونحن واقفين لا نتحرك ولا نتلفظ بأية كلمة من هول المنظر، فالغرفة مضطربة قليلاً، والزجاج منكسر، وهناك الكثير من بقع الدم السائلة على الأرض، ولاندرى ما يحدث .
توجهنا سريعاً إلى المشفى حيث قيل لنا أنها تمر بحالة خطرة فقد مزقت شرايينها وفقدت الكثير من الدماء ولكنها ستكون بخير عما قريب، ثم جلسنا وصديقتها "نيلدا" تروى لنا ماذا حدث؟ .
نيلد:"لقد مرت "وينى" بالكثير من الصدمات منذ قتل والدتها على يد والدها إثر مشكلة ما.. تعرضت للكثير من الضغوطات النفسية والإجتماعية وكان آخرها حبيبها الأحمق التى إكتشفت ليلة الأمس أنه يخونها مع أخرى، فقد هاجت كالمتوحشة تمزق وتكسر كل ما يأتى أمامها.. لم أكن أعرفها إلا عن طريق حديثنا معاً فى اليوم الماضى" .
ساد الحزن العام بين الجميع، فالجميع يترقب بتوتر تارة ويسكن تارة أخرى فما كان منا إلا أن يروى الجميع قصته التى تزيد الطين بلة .
فكنت أولهم:"أحتاج المال، الببت، الزوجة، وأحتاج ذلك الصديق الأحمق الذى يلازمنى فى سعادتى وحزنى، وجدت نفسى مغشيا عليه فى طريق العمل، كل شىء يسير بالمال.. ولا أتحرك .
فكرت فى منتهى مستقبلى المظلم لأجدنى وحيدا بلا شريك، فكرت فى أشياء كثيرة منها الجيد والسيء منها السعيد والحزين، لأصطدم فى جدار الواقع المليء بالكثير من خيبات الأمل، لم ينتهى الأمر بعد حتى فكرت بالإنتحار .
فقط هو سم أتناوله أو سقوط من أعلى مبنى أو مقصلة تأخذ روحى، لكن السم غالٍ فلا أستطيع شراءه والسقوط من الأعلى لم يكن الحل الأمثل فأنا أخاف المرتفعات، أما المقصلة فمن يدفع ذلك الكرسى من تحتى حتى أتعلق بحبالها، كلما فكرت بالموت تتملكنى تلك الحجج التى بها أصنع هروبا من الموت" .
تابع كيفين الحديث قائلاً: "أما أنا فربما تعجبون من قصتى فقد أصابنى الضعف وفكرت كثيراً بالإنتحار رغم صغر سنى ورغم اننى من عائلة غنية، إلا أن السبب الحقيقى وراء ذلك هو اننى شره لممارسة الجنس وللإباحية، قد تسبب الحرمان العاطفى لدي لسنوات، بالإضافة إلى تعلقى بالإنترنت المليء بتلك المواقع فى أننى لم أعد أستمتع كالسابق فى حياتى العملية والعلمية والنفسية وغيرها، لم أكن أتوقع أن "كيفن" ذلك الفتى المرح يصل لحالة الإنعزال، لم أكن أتوقع أن لتلك الأفعال أضرار جسيمة حينما تغرق فى بحرها فهى تجرك شيئاً فشيئا حتى تهلكك، فكرت كثيراً فى الإنتحار فقد سطا الإكتئاب والحزن على حياتى" .
وقال مارك:"أنا رجل مشوش العقل فبداخلى الكثير والكثير من الأفكار، لا أدرى أيهما أريد أن أضعها حيذ التنفيذ، منذ صغرى والجميع يظننى مجرد فاشل ليس له قيمة، تعرضت للكثير من خيبات الأمل حتى بدأت بالتراجع عن أهم أمور حياتى، نعم أخاف حتى أننى أخاف من أن أخطوا خطوة واحدة إلى الأمام ، هكذا تربيت على فقدان الثقة بنفسى فأبواى دائما ما يعنفانى، ساءت حياتى فلا أستطيع العمل أو أن تكون لى حبيبة حتى اننى خسرت الكثير من أصدقائى" .
- معرض لندن بعد شهرين -
أحد المارة:"يا الهى انها لوحة رائعة.. أريد شرائها" وآخر يقول:"انها جميلة حقاً من الرسام صاحب اللوحة ياترى" .
بينما أنا مستمتع بتعليقات الزائرين إذ بأحدهم ينادى على:"جيمس، جيمس .. ها نحن هنا" ، وإذ بهم هؤلاء الأصدقاء من رحلة "تريسكو".. نعم نسيت أن أخبركم بعدما أطمئننا على صديقتنا "وينى" تعاهدنا جميعاً أن نتغير وألا نيأس ونستسلم لقد تعلمنا الكثير من رحلتنا تلك .
فها هو "كيفين" قد أًصبح رجلاً قوى البنية، حاليا يملك صاله للألعاب الرياضية، أما عن "مارك" فقد تمكن من العمل فى إحدى شركات الإستثمار وأخيراً قد وجد نفسه و"وينى" تلك الصديقة التى لطالما أستحقت ان تكون أفضل فقد حضرت حفل خطوبتها منذ اسبوعين وأنا و"نيلدا قد تشاركنا وأصبح لدينا هذا المعرض الخاص بالرسم وها نحن بصدد إفتتاحه .
تعاهدنا على أن نكون أفضل مهما كانت الظروف، فنحن من نصنع الحياة فإما ان تكون سعيداً بها وإما ان تكون حزيناً، فقط أنت من يستطيع فعلها .. فهل تملك الإرادة .
.....انتهت.....
تابعونا على (الفيسبوك)
