غسيل الدماغ ومسلمي الإيغور
غسيل الدماغ ومسلمي الإيغور
محمود الهليهى يكتب...
![]() |
| معاناة مسلمي الإيغور |
"تعد عملية الإلغاء
الممنهج، وغالباً القسرى، لأكثر الأفكار رسوخاً فى عقل الشخص، خاصة السياسية منها،
حتى تحل محلها مجموعة أخرى من الأفكار؛ نوعاً من التحويل الذى تمارسه دول شمولية
معينة على المعارضين".. كان هذا تعريف غسيل الدماغ فى معجم اكسفورد .
يكمن غسيل الدماغ فى أنه عملية تغيير جذرى، الهدف
منها تحويل شخص كامل الأهلية إلى شخص تابع مطيع، مسلوب الإرادة والعقل، مقيد
بضوابط صارمة، فيمكن لمن يقوم بعملية غسيل الدماغ تلك السيطرة على الفكر السياسي
والإجتماعي وحتى الديني لأحد الأشخاص وتغيره بشكل كامل .
كإنسان آلي قد تصنعه بيديك قطعة تلو أخرى،
وتبرمج عقله على نمط معين من الخدمات فلا يستطيع تغييره، مما يجعله كقطعة عجين تستطيع
تشكيلها كيفما تشاء، وهذا يمثل أقصى انتهاك للخصوصية بل والفكر أيضاً، وهو ظاهرة
معقدة يُستخدم فيها عمليات نفسية للسيطرة على الفرد، فيمكنه تغيير العقائد
الثقافية والدينية والإجتماعية له .
تولد مصطلح "غسيل الدماغ" - "إصلاح
التفكير" عند الشيوعية - حينما بدأ غزو كوريا الشمالية المدعومة بالنظام
الصينى الشيوعى لكوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية بقوات
متعددة الجنسيات عام 1950م .
وقد لوحظ شيئاً
غريباً يحدث لأفراد القوات الأمريكية ممن يقعون فى الأسر، وإذ يخرج بعضهم من
معسكرات العدو وقد تحولوا تماماً إلى الشيوعية، وفى نفس الوقت هم مستعدون لنبذ
موطنهم الأصلى ومحاربة أصدقائهم، وقد استمروا فى ولائهم الغريب هذا حتى بعد تحررهم
من قبضة الحزب الشيوعى .
ومع تنامى الدول الشمولية واتساعها، كانت
الحاجة ماسة إلى استخدام البعض لفكرة "غسيل الدماغ" فقد طُوّرت ثقافات
مختلفة فى هذا المجال، وتبلورت فى أشكال عدة؛ منها التهديد ومنها الإكراه والتعذيب
النفسى والجسدى .
فهذه "باتريشيا هيرست" حفيدة أحد
الأثرياء الأمريكان، وقد أختطفت من قبل إحدى المنظمات عام 1974م، واحتجزت فى خزانة
وتعرضت للإعتداء الجنسى، بل وأخذ المختطفين فدية كبيرة ولم يفرجوا عنها، ثم تفاجئ
الجميع بعد ذلك بعدة شهور بمشاركتها تلك المنظمة فى السطو على إحدى البنوك فى مدينة
"سان فرانسيسكو"، وقد أعلنت معتقداتها الثورية وتبرأت من عائلتها حتى أُعتقلت
فى عملية سطو أخرى .
وكذلك "الأب سمون" الراهب
الكاثوليكى و"الاب لوكا" الراهب الإيطالى، الذان انتقدا الحزب الشيوعى
فى الصين، قبل إحتجازهما وتعرضهما "لغسيل الدماغ" ليخرجا مقتنعين بالفكر
الشيوعى مبايعانه ومعاديان لأصدقائهما .
وكذلك تعرض "المطران كرنمر"
البروستانتى للتعذيب حينما جلست "مارى" ابنه الملك "هنرى" -
وكانت كاثوليكية - على كرسى العرش، حيث احتجزته وهو فى العقد السادس من عمره، وقد منعت عنه الكتب،
وكان وحيداً ذليلاً، وقد تعرض لضغوط نفسية كان منها؛ مشاهدته لأصدقائه وهم يحرقون
أحياء، وقد خضع فى نهاية الأمر لها .
وها هى "رواية 1984" لـ"جورج
أورويل" وبطلها "ونستون سميث" الذى كان يعمل فى الحزب الشمولى
الحاكم، وكان يحكى على لسان البطل كم التزوير فى التاريخ الذى كان يفعله بإيعاذ من
رؤسائه، كما كان يحكى المشاهد فى مدينته وكمّ المعاناة التى يتعرضون لها، وكم هو
ممنوع حمل القلم والكتاب، وأيضاً يحكى فكرة الأخ الأكبر الذى يراقب الجميع
بإستمرار سواء فى العمل أو الشارع أو البيت، وقد وصل الأمر للتحكم فى الأكل والشرب
والشؤون الزوجية، كل هذا عن طريق أفكار ومعتقدات رسخها الحزب فى عقول الشعب .
أما الآن يتكرر مصطلح "غسيل
الدماغ" كثيراً أمام أعيننا، مرتبطاً بشعب يدعى "مسلمى الإيغور"،
هذا الشعب الذى ينتمى فى الأصل إلى الأتراك المسلمين، وقد قاموا بالإتحاد مع بعض
القبائل بتأسيس مملكتهم الخاصة عام 744م، وقد إمتدت المملكة حتى "بحر
قزوين" غرباً ومنشوريا - شمال شرقي الصين والكوريتان – شرقاً، وقد استمرت تلك المملكة حتى عام 840م .
تجمع المسلمون "الايغور" فيما يعرف
اليوم بـ"تركستان الشرقية" أو "شينغيانغ" بعدما تم الاستيلاء
على مملكتهم من قبل "الغزو القيرغيزي"، واستمر الحكم الاسلامى لـ"تركستان
الشرقية" حتى تم إخضاعها نهائياً للغزو الصينى عام 1950م .
![]() |
| خريطة تركستان الشرقية - الصين |
قام الشعب "الإيغورى" بالكثير من
الثورات ضد الإحتلال الصينى والحزب الشيوعي، ولكنها سرعان ما يتم إخمادها جميعاً
بقبضة همجية ومذابح جماعية، قتل خلالها الملايين من مسلمى "الإيغور" دون
رحمة .
وإلى الآن تمارس الصين أبشع المجازر دون كلل
أو ملل، فالقتل والحرق وإغتصاب النساء وقتل الأطفال والمقابر الجماعية ومعسكرات
التعذيب مازالت قائمة، فالمشاهد تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان لكنها لا تُحرك
ساكننا فى البعض منا .
كل يوم تتوالى الينا أبشع الصور، فدموع
الأطفال لم تجد من يجففها، وصرخات النساء لم تجد ينصرها، وأجساد الرجال والشيوخ فى
المعسكرات لم تجد من يرفق بها ويحررها .
![]() |
| المعتقلون فى معسكرات الحزب الشيوعى |
لم ينتهى الأمر بعد حتى كشفت وثائق مسربة
لـ"الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" عن فرض نظام تعليمى إلزامى قصرى،
ومراقبة كل ما يفعله السجناء بشكل دورى حتى أثناء تغوطهم، كما أنها تتعاطى معهم
بصرامة فى مأكلهم ومشربهم ومعتقدهم؛ حيث يجبرونهم على أكل الخنزير وشرب الخمر، ويمنع منعاً باتاً الصلاة أو ممارسة أى شعائر دينية .
ناهيك
عن إغتصاب النساء فيما يسمى بـ"الغرفة السوداء"، وقد يحرم البعض من
الذهاب إلى المرحاض إذ لم يتبع التعليمات فى إذلال لإنسانيتهم، وكذلك التحكم فى قص
الشعر ووقت النوم والإستيقاظ، وتعليمهم اللغة الصينية بالإكراه .
وتوضح الوثائق المسربة كيفية إطلاق سراح المعتقلين
فقط عندما يثبتوا أنهم غيروا من سلوكياتهم ومعتقداتهم ولغتهم، فى محاولة لطمس الهوية
الإسلامية لهم، كما تفصح عن نظام العقوبة والمكافئة حيث من يمتثل للتعليمات
والأوامر ربما يسمح له بالإتصال بالعائلة مرة كل شهر .
ويقبع حوالى مليون مسلم فى معسكرات الحزب
الشيوعى دون محاكمات أو تهم، وآخرون تحت المراقبة المشددة من قبل الأمن الصينى .
وبالطبع لم تقصّر الدول العربية فى واجبها
المخصي كالعادة، بل أبترت أعضائها الذكرية تماماً، وساندت الحكومة الصينية
فى انتهاكاتها ضد "مسلمي الإيغور"، وشجبت وأدانت العنف والأرهاب القائم من
المسلمين ضد الحزب الشيوعي الحاكم، وطالبته بالمزيد من التقدم فى محاربة الإرهاب .
المصادر :
كتاب "غسيل الدماغ" لـ"كاثلين
تيلر" .
رواية "1984" لـ"جورج
اورويل" .
موقع " ."BBC
موقع France24"" .


