أصابع الزهور
محمود الهليهى
جلس على شاطئ البحر مسنداً ظهره إلى شجيرة
صغيرة والشمس قد قاربت الغروب والأمواج تزحف وتأتى واحدة تلو الأخرى وكان البرد قارصاً
وأصوات الطيور من حوله يُسمع صوتها بين الحين والآخر ، وقد راح بمخيلته للحنين إلى
الماضى البعيد حيث عمر الشباب وبداية الحياة عندما عانى أشد المعاناة ليكون معها ،
بدا له الموقف وكأنه يحدث الآن فالخيال قد ساعده على عدم نسيانها .
راح يتذكر اول مرة رآها فيها وهى فى السوق
وقد ظهرت عليه علامات القبول ، رآها وهى مرتدية العبائة السوداء والطرحة التى كانت
تزين وجهها الجميل والعيون البنية الصغيرة ، سمع صوتها الرقيق الذى كاد أن يكون خفياً
من شدة حيائها وهى تتهامس مع البائع وهى تشترى منه ما تريد ... وسرعان ما ذهب مسرعاً
ليسئل من هذه الفتاة التى امتلكته من اول مرة وأثرت به؟! وفوجئ أنها جارته فى الشارع
ولكنه لم يكن يعرفها لانها لم تكن تظهر كثيراً ولم يكن لها صوت عالٍ ليسمعه فهى من
بيت محافظ على كل شئ فزاد إعجابه بها اكثر ، بعد تلك المرة ظل متأملاً فى رؤيتها قرابة
الأسبوع ولم تكن قد ظهرت بعد رؤيته لها فى المرة الأولى ، كاد التفكير يُذهب عقله كيف
لا أعرفها وهى جارتنا؟ ، كيف هذا؟ كان مشوش التفكير لا يعرف العمل طريقه إليه ، فهى
التى تستحق أن تكون زوجة تستطيع أن تكون أماً للأولاد ظل هذا الفكر يراوضه كثيراً فى
الحلم واليقظة فى العمل وفى الراحة فى كل مكان يتذكر تفاصيلها ، وفى المرة الثانية
كان ذاهباً إلى منزله وقد إنتهى عمله وها هى تخرج ليراها مرة أخرى لتذهب إلى مكانٍ
ما وهو يراقب من بعيد حتى وصلت إلى بيت ودخلت به - عرف فيما بعد أنه بيت خالتها - وها
هو منتظرها أمام البيت لتخرج ويصارحها بما فى قلبه ويحدد الميعاد لطلب أيدى الزهور
نعم فهى إسمها "زهرة" وهو إسمه "صلاح"، بعد ساعات من الإنتظار
واللهفة خرجت "زهرة" من بيت خالتها وقد إنتهز الفرصة وذهب ليقف أمامها ليصارحها
بما لديه وبالفعل بدأ بأول كلامه ولكنه لم يشعر بأى شئ بعد ذلك غير إرتفاع فى درجة
حرارة خديه الأيمن والأيسر وفوجئ بالغمام الذى يقف من حوله ليُضرب لكمات كالصاعقة وضربات
كالبرق الخاطف وقد حاولت إنقاذه من هؤلاء وبالفعل أنقذته بحجة أنها هى التى اوقفته
لتسأله عن شئ ما وهى تبتسم له وهو يبتسم لها .
وإنتهى اليوم على خير وهو مصرٌ عليها فقد
إقتنع تماما بأنها هى التى تصلح أن تكون زوجته
وبدأ يفكر ويفكر فيما حدث "من هؤلاء
الذين كانوا بجوارها وضربونى ضرباً شديداً ربما هم صدفة وظنوا أننى كنت أستوقفها لشئ
ما" ، وقد راح يفكر بها ثانية وبما فعلته معه واخيراً استقر على انه يذهب إلى
بيتها لكى يطلب يدها للزواج وقد فعل .
ولكنه قوبل بالرفض حيث قال والدها:
"كيف تجرؤ أن تطلب يد إبنتى إنسى هذا الأمر فهى لن تتزوج إلا ابن عمها" ،
وقد ذهب "صلاح" حزيناً مهموماً كيف لهذه الزهرة أن تتزوج هذا الشخص الشرير
، بالطبع ابن عمها شرير فقد كان يعمل فى أشياء غير مشروعة وكان يجنى الكثير من الأموال
من ذلك .
"وصلاح" مازال يتمشى فى شارعه
حتى قابله صديقه "عامر" وسأله مابه فكانت إجابته :"قد رفض صاحب الزهر
إعطائى إياها" فكان إندهاش وتعجب "عامر" يملأ وجهه وهو يسأله
:"ما هذا الذى تقول تعالى معى وإحكى لى ما عندك" وبالفعل قص عليه ما حدث
له من البداية إلى النهاية فما كان من صديقه إلا ليصبره ويهدأ من روعه وبعد حديث قد
طال ذهب "صلاح" إلى بيته حزينا ملماً بالهموم .
وظل متأملاً فى رؤيتها ثانية ليعرف اجابتها
ولكن هيهات بعدما حدث فقد أيقن أنه قد تسرع فى خطوته نحوها وظل الشغف يمتلك قلبه تاركاً
كل شئ حتى العمل فقد كان يعمل فى إحدى المطابع الصغيرة وقد فوجئ بعد اقل من اسبوع بخبرين
قرر بعدهما إنهاء حياته اولهما كان طرده من العمل والثانى كان تحديد موعد زفاف
"زهرة" على ابن عمها وقد تحدد الميعاد ليكون بعد ثلاثة أيام .
بدأت "زهرة" تفكر كثير فيما يحدث
خوفاً عليه فربما يعرف إبن عمها ماحدث فماذا سيكون رد فعله ، كانت قلقة جداً على
"صلاح" ربما يقتله فهو قاس القلب ومجرم فكان ولابد من تحذيره ولكن كيف؟؟
ومتى؟؟ وهى لا تستطيع الخروج لإبلاغه بنفسها ، أثناء التفكير سمعت صوت دقات الباب وقد
فزعت من الصوت لانها كانت فى وادٍ آخر وذهبت لتفتح وإذ تجد صديقتها الحميمة أمامها
فإندهشت للصدفة الغريبة فهى كانت تريد إخبار "صلاح"عن طريق شخص ما بأن يأخذ
حذره وقد وجدت صديقتها.. وظلت واقفة صامته لدى الباب وصديقتها تحدثها وهى لا تتكلم
"الصديقة" :"ما بك أراك تحلمين وأنت واقفة أم ماذا؟" قالت لها"أريدك
فى شئ عاجل أرجوا أن تفعليه من أجلى.... إذهبى لـ"صلاح" وأخبريه أننى أكره
ابن عمى هذا وأريده هو لكن لا أستطيع الإعتراض على هذا الوضع لذلك يجب أن يبتعد عن
طريقى بل يبتعد من هذه المنطقة حتى يتم زواجى فربما قال والدى لإبن عمى أن "صلاح"
جاء ليطلب يدى وهو يحبنى" وهنا كان إبن عمها يصعد بداية السُلم وقد سمع كلامهما
كلياً فصار لونه أسوداً وعينيه قد إحمرتا من الغضب وقد ذهب مسرعاً ووافقت الصديقة على
ذلك وقالت أنه أحسن حلٍ لهذه المشكلة لكى لا يتضرر الفتى ولكنك تظلمين نفسك بهذا الزواج
" فردت "زهرة" قائلة :"لا يهم أنا فالمهم هو إنقاذ نفسه - مشيرة
ٱلى صلاح - إذهبى الآن بسرعة دون أن يشك أحد" وبالفعل قد ذهبت .
ولكن فى الناحية الأخرى كان "صلاح"
قد إتخذ قراره بالإنتحار بعدما خسر كل شئ حبه وعمله وحياته وهو واقف على سطح منزله
شاحب اللون يرتعش كثيراً يأخذ خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف وقد تحمس على القفز
وأغمض عينيه ووقف موقف الإستعداد وسرعان ما سمع صوتان يقتربان أحدهما رجل يقول
"لااااا" والأخر صوت إمرأة تنادى"صلاح لا تفعل إنتظر" وقد فتح
عينيه ووجد صديقه"عامر" ومعه فتاة وهى تقول"بحثت عنك كثير ودلنى إليك
صديقك هذا أنا صديقة زهرة بعثتنى إليك لأحدثك لابد وأن تختفى لبضعة أيام من هنا"
فرد صلاح متعجباً بعدما نزل عن فكره الإنتحار :"لماذا ما الذى حدث فصديقتك قد
رفضتنى" قالت "صديقة زهرة" :"زهرة لم ترفضك بل هى تحبك ولكن والدها
هو الذى رفضك دون علمها وهى الآن تخاف عليك من إبن عمها لكى لا يقتلك او شئ من هذا"
رد "صلاح":"لا أخافه أبداً سوف اتحداه او أأخذها وأهرب" ردت
"صديقة زهرة":"زهرة لن تأتى معك هى ليست الفتاه التى تهرب من أهلها"
قال :"نعم أعرف ولكن ماذا أفعل" وبدأ اليأس يملأ المكان والتفكير المضطرب
وكانت المفاجئة الكبرى عندما إستدار "صلاح" ومن معه فى لحظة ووجدوا إبن
"عم زهرة" واقفاً خلفهم ومعه رجال شرساء فتذكر "صلاح" بسرعة من
هم هؤلاء من ضربوه عندما أوقف "زهرة" لاول مرة عند بيت خالتها ، ولكنه لم
يكمل تخيله وإذ بإبن عمها يقول لرجاله :"أمسكوا به" ، وقرر "صلاح"
و"صديقه عامر" التصدى لهم فلا مخرج من هناك وتعالت والأصوات والضربات والصرخات
حتى سمعها أهل الجيران وأهل المكان وقد أُمسك بهما من قبل "إبن عم زهرة"
وقد تأذى صديقه كثيراً كثيراً وهو أيضا تأذى ولكن بالقليل ولكن قد تم إنقاذهم بمجيئ
الجيران والسكان فقد فر "إبن عم زهرة" ورجاله من المكان بعد تصدى الناس لهم
وقد طعنوا صديقه وكادوا أن يقتلوهما .
إنتهى اليوم بإصابات طفيفة فى جسد
"صلاح" وصديقه "عامر" ومنها فى الوجه ، وفى صباح اليوم التالى
اى قبل زواجها بيوم واحد وعندما علمت "زهرة" بما حدث من والدها قد تغير لونها
فأصبح يميل إلى الإصفرار وبدا عليها علامات القلق الشديد حتى جائها الخبر الثانى من
إحدى جيرانها بأن "صلاح" وصديقه قد نجا من يد "ابن عمها" ورجاله
وفروا بعيداً فٱطمئن قلبها قليلاً وقد علمت منها أيضاً ان "صلاح" ليس ببيته
كالعادة ويعتقد انه فر هارباً من المكان لكى لا يقتله ابن عمها .
أما فى المقهى الذى يكمن فى أول الشارع
الذى كان يعمل به صديقه "عامر" كان "ابن عم زهرة" موجوداً وهو
ينادى ليطلب الشيشة وكوب من الشاى فأحضره له "عامر" وهما ينظران فى وجه بعضيهما
بكل شراسة وتحدى وقد قال له "ابن عمها" :"إحذر أنت وصديقك منى لا تعتقد
أن الموضوع قد إنتهى لا بل هو فى بداية ومهما هرب منى سأجده واقتله ، لا احد يستطيع
أخذ اى شئ منى حتى لو كانت ابنة عمى" و"عامر" ينظر اليه نظرات المتعجب
دون أن يتكلم معه اطلاقاً وذهب ثم بعد حوالى ربع ساعة قد جاء احد رجاله المقربين منه
وجلس معه وكانا يتهامسان تارة وينظران حولهما تارة اخرى مما إستدعى "عامر"
لإرسال رفيقه فى العمل ليسترق السمع ويرى فيما يتحدثون فقد قال "ابن عم زهرة"
:"هل كل رجالنا جاهزون فالعملية ستتم الليلة" رد عليه "الرجل"
الذى معه قائلاً :"نعم ولكننا لانعرف ميعاد ومكان التسليم" ، قال له
:"المكان فى الطريق الصحراوى عند الكيلوا 5 فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
أبلغ رجالنا بذلك قبل الميعاد بنصف ساعة فقط والكمية ستكون 25 كيلوا" قام الرجل
من مكانه وهو يلتفت حواله يميناً ويساراً وذهب ، ثم أبلغ الرجل الذى يعمل بالمقهى لصديقه
"عامر" ماسمعه بالتفاصيل ، وبالفعل لم يكذب خبراً وذهب وأبلغ "صلاح"
فى المكان الذى يختبئ فيه بما حدث وقد إتفقا على ان يبلغا الشرطة بما عرفوه وبالفعل
ابلغوا الشرطة وفى المكان والميعاد المحدد حدث تبادل لإطلاق النار وتم القبض على ابن
عم زهرة ورجاله والتاجر الذى كان سيشترى منهم ، ورجع "صلاح" إلى بيته فرحاً
ووصل خبر إلقاء القبض على "ابن عم زهرة" وكان الناس فى إندهاش حتى زهرة لم
تكن تعرف انه تاجر مخدرات حقاً فقد فرحت فرحاً شديداً بعد زوال العقبة الكبيرة فى حياتها
وبعد فترة من الزمن لم تبلغ الشهرين تقدم "صلاح" لطلب يد الزهور فقد كانا
على تواصل دائم طوال هذه المدة عن طريق اصدقائهم ، وقد ألبس الخاتم فى أصابعها وتعالت
الفرحة والبهجة وعلقت الانوار والزينة فى اشكالها الجميلة ......وتزوجا.......
وعاشا بعد ذلك معاً حياة مبنية على الحب
والمودة وقد أنجبا طفلتان اسمهما "ورد" و "أسماء" وقد عاشت هذه
الأسرة حياة سعيدة مليئة بالحب والألفة قرابة 25 عاماً تمكنوا فيها من القضاء على أصعب
الظروف التى واجهتهم .
وأثناء هذه الذكرايات والحلم الجميل الذى عاشه والتخيل
الدقيق للموقف ٱذ بصوت صغير ينادى عليه ويحاول إيقاظه من سباته العميق وهو يقول
"جدى استيقظ قد نمت ثانية هنا الليل قد دخل علينا وأنت مازلت هنا" أفاق
"صلاح" وقد رأى حفيده بجواره وحوله بنتيه وهو يقول بإبتسامة خفيفة ممسكاً
خده "ماذا عساى أن أفعل أيها الشقي الصغير فالذكرايات تنادينى دوماً" قالت
احدى ابنتيه": "أتترك عيد ميلاد حفيدك يا أبى قد قلقنا عليك" رد عليها
قائلاً "لا تقلقى على اكون هنا دائما هيا بنا لنذهب ونحتفل بعد ميلاد هذا الولد
الصغير الجميل" قالت إحداهما "أبى كيف ماتت أمى انت لم تجب على هذا السؤال
من قبل؟" شعر بالأسى من هذا السؤال وقال"عندما خرج "إبن عم زهرة"
من السجن وعرف أننا تزوجنا وأننى من أبلغت الشرطة عنه قرر الإنتقام وفى أحد الأيام
قابلنا فى شارع صغير ومعه سلاح بيده وبدأ بإطلاق النار على ولكن أمكم قد فدتنى بروحها
لا اريد تذكر هذا الموقف كثير فقد كانت زهرة أجمل أم وزوجة رأيتها فى حياتى كان شعرها
اسوداً حريراً يسيل بيدى مثل الناء وبشرتها داكنة جميلة جداً ويدها كيد العصفور الصغير
وأصابعها كأصابع الزهور ، هيا بنا الآن لنذهب" وقد غادروا المكان فى وسط يعلوه
الفرحه وبداخله الحزن على فراقها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق