التشاحن بين الشعوب ونهج العصبية القبلية.
" الكويت ومصر "
محمود الهليهي يكتب:...
قديماً في الجاهلية، كانت عشيرة الرجل وقبيلته هي حائط الصد والذود عنه وقت الشدائد، كما وأنها تكون السيف الذي يناجز الجميع إذا اقترب منه أحد، وكان هذا تحت فكرة العصبية القبلية.
وتتلخص هذه الصفة في مبدأ " الفرد هو القبيلة " فلو اعتدى أحدهم على أحد أفرادها فكأنما اعتدى على القبيلة بأجمعها، فيهب جميع الرجال يحملون سيوفهم، ويمتطون جيادهم، ويهرولون نحو القبيلة الأخرى يُسفكون دمائهم ويستحيون نساءهم ويُقطعون أرحامهم، وذلك على الرغم من أن أصل المشكلة كانت بين فردين فقط، كلٌ من قبيلة، إلا أنه قد جُيشت الجيوش تحت مبدأ " الفرد هو القبيلة ".
وعلى الضفة الأخرى من نهر الصراع القبلي، نجد منع القبيلة لفردها المعتدي الظالم كما لو أنه هو المعتدى عليه المظلوم، فيسارعون بالدفاع عنه والاستماتة من حوله مع أنه هو المعتدي من الأساس، إلا أن ترسيخ هذا المبدأ قد طغى على سائر القبيلة.
وها هو دريد يدعم مظاهر العصبية لقبيلته رغم عدم موافقته عليها، فيقول:" وهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غوت *** غويتُ، وإن ترشدْ غزيةُ أرْشُدِ " ( اللي هتقول عليه القبيلة أنا معاهم )، وقد روج لهذه الفكرة جندب بن عنبر حينما قال:" إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم *** على القوم لم أنصر أخي حين يُظلم ".
ثم جاء الإسلام ونبذ العصبية القبلية، فقال الله تعالى:" إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا " (الفتح 26)، كما وبين الله - سبحانه وتعالى - المنهج السمح في التعامل بين أفراد المجتمع المختلفين في العرق أو النسب أو اللون أو اللغة، فقال:" يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواإنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (الحجرات: 13)، فكانت دعوة التعايش للناس جميعاً وليست خاصة بالمسلمين وحدهم.
كما ونهى رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن العصبية وأشار إليها بالجاهلية في خطبة الوداع " إن دماء الجاهلية موضوعة " أي الثأر والتعصب فيه، كما وجاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُـمِّيَّةٍ، يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ "، وقد أنكر رسولنا الكريم ذلك الفعل في خطبة الوداع وقال:" فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ".
وفي عصرنا الحالي نجد ذلك التشاحن والعصبية غالبة على معظم الأفراد، وكأن الإسلام لم يكن يوماً بيننا، فمثلا يخرج أحدهم من دولة الكويت يسب مصر أو المصريين، لتتجمع جحافل اللعنات والسباب عليه وعلى جمع شعب الكويت والعكس، وربما نجد قائل منهم:" المصريين حرامية وشحاتين ونصابين وكذا وكذا " وهو بالفعل قد أساء، فبمجرد تعامله مع أحد المصريين قد حكم على الجميع، وقد أسقط الفرد على مجتمعه بأكمله - ولكن لابد وألا ننساق وراء تلك الفتن - فلا يهدأ لنا بال إلا ونسب الكويت وشعبها أجمع، ثم ونكمل قالب العصبية ونفتخر بالأنساب والأحساب والحضارات، فيقول قائل:" كنتم أهل خيام وتخلف، ونحن من علمناكم وأسكناكم في مساكنكم هذه وفعلنا كذا وفعلنا كذا ".
وربما لم يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فنجد من لديه الغبطة على شعب آخر داخل هذا الصراع، يقف إلى جنب الآخر حتى ولو كان ظالماً، فقط بسبب بعض المشاحنات في الماضي.
فوجدنا الشعوب قد تمزقت، ينفر كل منهم من الآخر، فوجدنا صراعات فكرية وسياسية واجتماعية وحتى حضارية، تصل بالأمر إلى حد السباب والكره والحقد، بين الكويت والعراق، أو بين السعودية وقطر، أو بين مصر والكويت، أو بين المغرب والجزائر، حتى ولو أنكر البعض وجودها فإن الأحقاد الداخلية بين هؤلاء الشعوب ما زالت موجودة إلى الآن حتى ولو انتهى زمنها؛ كما في حالة العراق والكويت.
![]() |
| محمود الهليهي |


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق